هل يملك المغرب الإرادة السياسية لمحاربة الفساد أم يبقى ذلك مجرد شعارات؟

المستقل | فؤاد السعدي

يصعب على أي مراقب للشأن السياسي العربي أن يمر مرور الكرام أمام الهزة الارتدادية التي أحدثتها السلطات العراقية مؤخرا، فتحريك ملفات الفساد العابر للمؤسسات، وتوقيف كبار المسؤولين والبرلمانيين، وعرض الأموال المنهوبة والممتلكات المصادرة بالصوت والصورة، شكل صدمة إيجابية في الوجدان الجمعي العربي. بناء على هذا، لم تكن هذه الخطوة الجريئة مجرد إجراء قضائي معزول، بل على العكس من ذلك، جاءت بمثابة بيان سياسي يعيد صياغة مفهوم الدولة المبني على سيادة القانون وحرمة المال العام. ومن هذا المنطلق، يضع هذا المشهد الإقليمي التجربة المغربية، برمتها، أمام مرآة كاشفة، ويفجر السؤال الحارق المؤجل حول مدى امتلاك المغرب للإرادة السياسية الحقيقية للانتقال من مهرجانات الشعارات إلى زلزال المحاسبة الفعلية، خاصة وأن قطار محاربة الفساد محليا يبدو وكأنه يسير بكابح صدمات متين، يدور في فلك النوايا والمساطر دون أن يلامس جذور البنية الإقصائية والريع.

وترتبط المعضلة البنيوية في المشهد المغربي، في أصلها، بطبيعة النخبة المهيمنة على مفاصل القرار وليس بغياب النصوص القانونية، إذ كيف يمكن لدكاكين سياسية وهيئات نقابية التفت حول مصالحها الضيقة أن تقود ثورة بيضاء ضد الفساد، وهي التي استمدت مشروعيتها الوجودية من آليات الريع وشبكات النفوذ؟ وفي هذا السياق، يؤكد الواقع، بكثير من المرارة، تحول جزء كبير من هذه النخب إلى نموذج صارخ للفساد المستشري، فهم يشرعون القوانين داخل البرلمان بما يتلاءم مع حماية استثماراتهم، ويشرفون على تنفيذها في المجالس المنتخبة والقطاعات الحكومية لضمان استدامة نفوذهم. ونتيجة لهذه الهندسة المصلحية، تولدت حالة من الاستبداد التدبيري الذي يتغذى على شعور “الحكرة” والظلم لدى المواطن البسيط، حيث أضحى هذا الأخير يواجه وحيدا غلاءً فاحشا في المعيشة، وانهيارا للمرافق الحيوية في الصحة والتعليم، وضيقا في أفق الشغل، في المقابل، يرى ناهبي المال العام محصنين ببروتوكولات الحصانة والتقادم.

بالأمس تفائل المغاربة بدسترة مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة منذ الحراك المجتمعي لـ 21 فبراير ودستور 2011، بيد أن التجربة الميدانية أثبتت تعامل المساطر مع ملفات الفساد كمخالفات إدارية معزولة أو أخطاء تسييرية، عوض التعاطي معها كجرائم أمن قومي تهدد الاستقرار والسلم الاجتماعي. علاوة على ذلك، يؤدي تجميد تفعيل مؤسسات الحكامة، والبطء الشديد في إحالة تقارير المجلس الأعلى للحسابات والمفتشيات العامة على القضاء، إلى تحويل تلك الوثائق إلى مجرد أرشيف تاريخي بدلا من أن تكون صكوك اتهام فورية، علما أن القيمة الفضلى للدستور لا تقاس ببلاغة فصوله، بل بقدرته على تفكيك كارتيلات الفساد وإعادة الثقة المفقودة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

وفي وقت يدفع فيه السخط الشعبي بالبعض إلى التفكير في الحلول الراديكالية كخيار حتمي نتيجة انسداد الأفق، يفرض العقل الاستراتيجي بناء يقظة وطنية من خلال حزم بديلة وعميقة، تتصدرها المصادرة الشاملة واسترداد الأموال كأولوية قصوى، نظرا لأن سجن المسؤول الفاسد دون المساس بثروته المنهوبة يظل عقوبة منقوصة بل ومغرية أحيانا، الأمر الذي يستوجب ربط الأحكام القضائية بآلية المصادرة التلقائية للممتلكات والأصول المسجلة باسم المسؤول وعائلته المقربة، لإرساء قاعدة تفيد بأن الفساد مشروع خاسر ماديا واجتماعيّا. ومن أجل ذلك، يتطلب هذا المسار أيضا تجريما حازما لتضارب المصالح وعزل المال عن السلطة، إذ لا يمكن إحراز أي تقدم مالم يتم وضع جدار فصل حاسم بين عالم المال والأعمال وعالم الإدارة والسياسة، باعتبار أن بقاء الفاعل الاقتصادي في جلباب الفاعل السياسي يجهض أي فرصة للمنافسة الشريفة ويشرعن احتكار الثروة، بالتوازي مع رفع الحصانة التلقائي في قضايا المال العام وإخراجها من مساطر التعقيد الحزبي وتفعيل الملاحقة الفورية.

ويبقى من المستحيل بمكان بناء دولة قوية، ديمقراطية، وعادلة بمؤسسات وأحزاب ينخرها الفساد والظلم والحكرة، حيث لم تعد محاربة الفساد ترفا فكريا أو ورقة صالحة للتعبئة الانتخابية، بل هي مشروع بقاء للدولة برمتها. ومن ثم، يشكل تراجع ثقة المغاربة في العمل السياسي وصناديق الاقتراع جرس إنذار صامت، لأن الشعارات قد تسكن آلام الشارع مؤقتا، لكنها لا تبني وطنا، ولأجل هذا كله، فإن الإرادة السياسية الحقيقية تقاس اليوم بمدى الجرأة على فتح الملفات الكبرى دون انتقائية أو مواربة، وإثبات أن المسؤولية في المغرب الجديد هي تكليف وطني ثقيل يحاسب صاحبه على المثقال، وليست امتيازا ريعيا يحميه من المساءلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *