أزمة التشغيل تعري وعود الحكومة.. برامج الدعم المؤقتة تتحول إلى مصيدة ديون للمقاولين الشباب

مع اقتراب الولاية الحكومية الحالية من محطتها الختامية، تواجه حكومة عزيز أخنوش موجة عارمة من الانتقادات والتقييمات السلبية من لدن أوساط اقتصادية وحقوقية، تجمع على فشل الجهاز التنفيذي في تدبير كبريات الملفات البنيوية التي رصدت لها ميزانيات ضخمة واستصدرت لأجلها تشريعات وقوانين جديدة، دون أن ينعكس ذلك إيجابا على المعيش اليومي للمواطن، مما يضع شعار الدولة الاجتماعية المرفوع أمام محك الواقع المعاش.
هذا ويمثل ملف إدماج الشباب وامتصاص البطالة نقطة الضعف الأبرز لهذه الحكومة، فبالرغم من التزامها في برنامجها الحكومي بخلق مليون منصب شغل صافي، إلا أن المؤشرات الرسمية تكشف استمرار النزيف، ويعزو هذا الإخفاق إلى الاعتماد على برامج ذات طبيعة مؤقتة وظرفية تفتقد لشرط الاستدامة؛ حيث تحول برنامج “أوراش” في عمقه إلى آلية لدعم السيولة المالية للجمعيات المحلية عوض أن يشكل جسرا حقيقيا للشباب العاطل نحو سوق الشغل القار، في حين واجه برنامج “فرصة” انتقادات حادة بعدما تحول، بسبب غياب المواكبة البعدية وضعف مرونة التمويل، إلى مصيدة ديون قيدت المقاولين الشباب بالتزامات بنكية ثقيلة بدلا من انتشالهم من مخالب البطالة.
وعلى الصعيد الاجتماعي والصحي، تظهر المفارقة جلية بين حجم القروض والميزانيات المرصودة وبين المردودية على أرض الواقع، فرغم الدعم المالي الدولي لمشروع الحماية الاجتماعية، اصطدم تنزيل التغطية الصحية بعائق المؤشر الاجتماعي والرقمي، الذي تحول بحسب فاعلين جمعويين إلى آلية لإقصاء منهجي طال ملايين الأسر المغربية، لاسيما الفئات الأكثر هشاشة كالمعلولين والمطلقات والأرامل والمسنين، مما أفقدهم الحق في التطبيب المجاني.
وفي سياق متصل، ظل إصلاح صناديق التقاعد والرفع من معاشات المتقاعدين مجرد حبر على ورق في جولات الحوار الاجتماعي؛ فبعد سنوات من المشاورات العقيمة، عجزت الحكومة عن إبداع تصور مالي مستدام، وتتعمق علامات الاستفهام هنا بالنظر إلى لجوء الحكومة لآلية التمويلات المبتكرة عبر تفويت المستشفيات الجامعية للصندوق المغربي للتقاعد مقابل سيولة ناهزة ثمانين مليار درهم، وهي خطوة يرى فيها محللون استنزافا لمدخرات المتقاعدين لتغطية عجز الميزانية دون تقديم حلول جذرية تضمن ديمومة الصناديق.
ولم تقتصر مؤشرات الإخفاق على الشقين الاقتصادي والاجتماعي، بل امتدت لتشمل الحكامة الحقوقية وسجل الحريات بالمملكة، وهو المجال الذي يمثل مرآة المغرب في التقارير الدولية، حيث تواجه الحكومة اتهامات بالضعف البنيوي في الثقافة الحقوقية وضيق الصدر تجاه الآراء المخالفة وتقبل الانتقادات، ويتجلى ذلك في غياب التفاعل الإيجابي لحل الملفات الحقوقية العالقة كملف معتقلي الحراكات الاجتماعية في الريف وفكيك، وتنامي المتابعات القضائية في حق نشطاء منصات التواصل الاجتماعي والصحافيين جراء انتقادهم لتسيير الشأن العام، فضلا عن الفجوة المتزايدة في التواصل مع شباب “جيل زد” الذي بات يعبر عن إحباطه الاقتصادي والسياسي عبر الفضاء الافتراضي، في ظل غياب قنوات حوار مؤسساتية تستوعب تطلعاته وتفهم متطلبات العصر ومستجداته الرقمية.
وتثبت هذه الحصيلة الشاملة أن المعالجة الحكومية اعتمدت أساسا على المقاربة المحاسباتية والتقنية الصرفة، مغفلة الأبعاد الإنسانية والحقوقية، مما جعل المشاريع المنجزة مجرد إصلاحات فوقية تعجز عن تحقيق السلم الاجتماعي والإقلاع الاقتصادي الموعود.