تحقيق على قناة “Fance2” يضع نظام الجزائر في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي

تجاوز التحقيق التلفزيوني الاستقصائي الذي بثته قناة “France 2” مؤخرا حدود التغطية الإعلامية المعتادة، ليتحول إلى وثيقة اتهام سياسية وأخلاقية شاملة تطال جوهر النظام الجزائري، الذي يبدو أنه اختار العمل من مناطق الظل واستبدل منطق الدولة القائم على المؤسسات بمنطق الأجهزة الاستخباراتية؛ حيث وضع هذا الفيلم الواقع الجزائري تحت مجهر دولي صارم، مؤكدا أن السلطة باتت تدار عبر أدوات أمنية تستعمل للتدخل والضغط وتصفية الحسابات عوضا عن الاحتكام للعرف الدبلوماسي. وقد قدم التحقيق صورة شديدة القتامة لمسار العلاقات الفرنسية الجزائرية التي بلغت مستوى غير مسبوق من التدهور منذ الاستقلال، نتيجة سلوك منظم وممنهج صادر عن الأجهزة الجزائرية التي تسعى، وفقا للمعطيات المعروضة، إلى التأثير المباشر في القرار الفرنسي عبر وسائل تتعارض كليا مع قواعد العلاقات الدولية الحديثة، إذ لم تعد المعطيات تشير إلى تعاون أمني متوازن، بل كشفت عن ممارسات اختراق وضغوط واستغلال للجاليات، ومحاولات حثيثة لإخضاع منتخبين ونشطاء عبر أساليب التخويف والترهيب.

هذا وتتجاوز خطورة هذه الممارسات الموثقة أبعادها الخارجية لتفضح الطبيعة الهيكلية للنظام الجزائري نفسه، كونه نظاما يبدو عاجزا عن إنتاج نفوذ دبلوماسي قائم على الإقناع والقوة الناعمة، فيلجأ اضطرارا إلى العمل السري، كما يعكس فقدانه للقدرة على بناء شرعية داخلية صلبة، مما يدفعه نحو تصدير أزماته المتفاقمة إلى الخارج؛ فبدلا من مواجهة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتراكمة في الداخل، يختار النظام الهروب إلى الأمام عبر افتعال صراعات خارجية وتسويقها للرأي العام المحلي كـ”مؤامرات” تبرر استمرار القبضة الأمنية المشددة.

وأظهر التحقيق بوضوح أن الاستخبارات الجزائرية باتت تتصرف كفاعل سياسي مستقل وقائم بذاته، بعيدا عن أي منطق للمساءلة أو الرقابة المدنية، وهو معطى ينسجم مع التاريخ الطويل لهيمنة المؤسسة الأمنية على مفاصل القرار، مما يؤكد أن الجزائر لم تشهد تحولا حقيقيا نحو الدولة المدنية، وظلت رهينة توازنات تحكمها مراكز قوة غير منتخبة ترى في الاختلاف تهديدا وفي النقد خطرا يستوجب القمع الفوري.

وتضع هذه الوقائع الصادمة الجزائر في موقع بالغ الإحراج على الساحة الدولية، خاصة في ظل سياق عالمي يتسم بتصاعد الحساسية تجاه التدخلات الخارجية وحروب التأثير، حيث تجد فرنسا نفسها اليوم، وهي التي اعتادت سابقا تجاوز سلوكيات النظام الجزائري مراعاة للمصالح والاعتبارات التاريخية، أمام معطيات استخباراتية يصعب تجاهلها، بعدما أصبح الصمت مكلفا سياسيا وأمنيا ويمس سلامة مؤسساتها الداخلية بشكل مباشر.

وقد كشف هذا التحقيق الاستقصائي للعلن ما سعت السلطة في الجزائر إلى حجبه طويلا، وهو صورة دولة تفتقر إلى الثقة في الفعل السياسي وتتعامل مع المحيط الخارجي بعقلية الصدام الخفي، غير أن هذا النهج، مهما طال أمده، يظل عاجزا عن بناء دولة محترمة أو نفوذ مستدام؛ فالأدوات الاستخباراتية وإن كانت قادرة على إرباك الخصوم مؤقتا، إلا أنها لا تمنح شرعية ولا تؤسس لاستقرار حقيقي، بل تكرس فشل نظام يستمد بقاءه من إنتاج الأزمات ويغذي وجوده عبر افتعال العداء الدائم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *