زلزال المحكمة الدستورية يضرب وزارة بنسعيد.. عندما تتحول هندسة التحكم في الصحافة إلى سقطة تشريعية مدوية

بقلم | فؤاد السعدي
يعد قرار المحكمة الدستورية الصادر بشأن القانون المنظم للمجلس الوطني للصحافة بمثابة زلزال قانوني لم تتوقف ارتداداته عند حدود النصوص التشريعية، بل امتدت لتشكل صفعة سياسية مدوية وجهتها أعلى مؤسسة قضائية في البلاد إلى وزارة الشباب والثقافة والتواصل، ومن خلفها الحكومة برمتها، بعدما كشفت المحكمة عن حجم العوار الدستوري الذي شاب رؤية الوزير المهدي بنسعيد لهندسة المشهد الإعلامي. لأن إقرار المحكمة بمخالفة خمس مواد جوهرية للدستور، من أصل المواد التسع المطعون فيها، لم يكن مجرد فحص تقني روتيني، بل جاء كإدانة صريحة لمنطق الوصاية والتحكم الذي حاولت الوزارة الوصية تمريره تحت غطاء الإصلاح، حيث تصدت المحكمة بقوة لمحاولة الإخلال بقاعدة التساوي والتوازن بين فئتي الصحافيين والناشرين داخل المجلس، رافضة بشكل قاطع صيغة الناشرين الحكماء التي كانت تمنح أرباب العمل امتيازا عدديا وتدخل القطاع في دوامة اللامساواة، مؤكدة أن التنظيم الذاتي يجب أن يقوم على أسس ديمقراطية صلبة تضمن الندية والعدالة التمثيلية.
ولم تقف المحكمة عند حدود مطالب الطاعنين، بل مارست سلطتها في الإثارة التلقائية لمواد أخرى، وهو ما يمثل ذروة الإحراج السياسي للحكومة، حيث كشفت المحكمة أن الوزارة حاولت شرعنة الأحادية المهنية عبر المادة 49 التي كانت تمنح المنظمة الأكثر تمثيلية حق الاستفراد بجميع المقاعد، وهو ما اعتبرته المحكمة إعداما للتعددية ومخالفة صريحة لروح الفصل الثامن من الدستور، وتؤكد بذلك أن زمن الحزب الوحيد أو المنظمة المهنية الوحيدة قد ولى، وأن أي محاولة لخلق كيانات هجينة تخدم أجندات ضيقة ستصطدم بحائط الدستورية. هذا التوغل الحكومي في تفاصيل التنظيم الذاتي، والذي حاولت من خلاله الوزارة فرض نظام انتخابي على المقاس، سقط أمام يقظة القضاة الذين اعتبروا أن انفراد منظمة واحدة بالتمثيل يضرب في مقتضى الحق في التعددية الذي يشكل جوهر حرية تأسيس المنظمات المهنية.
وفي سياق متصل، جاء إسقاط المادة 93 المتعلقة بلجنة الاستئناف التأديبية ليعري الأمية القانونية في صياغة بعض مقتضيات المشروع، حيث حاولت الوزارة تكريس وضع غريب يكون فيه رئيس لجنة الأخلاقيات خصما وحكما في الآن ذاته، وهو ما اعتبرته المحكمة مسا خطيرا بضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في الفصول 23 و118 و120 من الوثيقة الدستورية، مشددة على أن مبدأ الحياد لا يقبل التجزيء ولا يمكن التضحية به تحت أي ذريعة تنظيمية. كما لم يسلم منطق التمييز الفئوي في إعداد التقرير السنوي من مقص المحكمة، التي أثارت تلقائيا عدم دستورية قصر الإشراف على التقرير على الناشرين الحكماء، معتبرة أن تقرير حالة الصحافة هو شأن يهم الصحافي المهني بالدرجة الأولى، وأن أي إقصاء له هو إخلال بالتوازن القيمي والمهني للمجلس.
وحتى في مسألة النوع الاجتماعي، كانت صفعة المحكمة موجعة للوزارة التي حاولت فرض هندسة قسرية في المادة 57 تفرض ألا يكون الرئيس ونائبه من جنس واحد، حيث رأت المحكمة أن هذا القيد يمس بالحرية الديمقراطية للجمعية العامة ويقيد إرادة الناخبين، ما يوضح أن الوزارة كانت تتحرك بمنطق الفرض الفوقي للقواعد دون مراعاة لسلطة الهيئة الناخبة. هذا القرار الشامل يضع الوزير بنسعيد في فوهة مدفع المسؤولية السياسية، إذ يظهر أن المطبخ التشريعي للوزارة سقط في فخ إنتاج نصوص ملغومة تهدف إلى تطويق استقلالية القطاع بدلا من تشجيعه وفق منطق الفصل 28 من الدستور، مما يفرض على الحكومة اليوم مراجعة شاملة لمنهجيتها في التعامل مع السلطة الرابعة، والاعتراف بأن محاولة تفصيل مؤسسات التنظيم الذاتي وفق أهواء سياسية هي معركة خاسرة أمام حراس الدستور.