كيف أربك أخنوش حسابات الخصوم بقرار “الرحيل السلس”؟

في غمرة الانشغال الشعبي بالحمى الكروية لـ “كان 2025″، نجح لغز سياسي في خطف الأضواء وتصدر النقاش العمومي، بعد إعلان عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، زهده في ولاية ثالثة، وتخليه الطوعي عن طموح قيادة “حكومة المونديال” المقبلة. هذا القرار الذي وصف بالدراماتيكي، لم يكن مجرد إجراء تنظيمي داخل بيت الحمامة، بل كان بمثابة حجر ألقي في بركة الراكد السياسي المغربي، مخلفا موجة من التأويلات التي تراوحت بين التفسيرات المنطقية وشطحات التنجيم السياسي.

وتكمن المفارقة الكبرى في أن صدمة الرحيل لم تقتصر على أنصار الرجل، بل امتدت لتشمل حتى خصومه الذين طالما ناهضوا ثقافة خلود الزعامات. ويبدو أن المشهد السياسي المغربي، الذي اعتاد على قادة يفصلون القوانين على مقاس بقائهم في الكراسي، لم يستوعب بعد فكرة أن يضع رئيس أقوى حزب سياسي مفاتيح القيادة بمثل هذه السلاسة وهو في قمة مجده السياسي. فأخنوش، الذي تسلم الحزب في عز أزمته، يختار اليوم المغادرة والحزب في ذروة زخم جماهيري غير مسبوق، وأغلبية حكومية متماسكة نجحت في عبور الأزمات بأقل الأضرار.

إن هذا الخروج في وقت الذروة يضع الأحزاب المغربية التقليدية أمام مرآة كاشفة؛ فبينما يتمسك زعماء أحزاب عريقة بمناصبهم رغم رياح الرفض الداخلي، يأتي حزب كان يصنف بالأمس قريبا من الإدارة” ليقدم درسا في التداول الديمقراطي سيتطلب استيعابه وقتا طويلا. كما أن هذا القرار يكسر تقليدا رسخه حزب العدالة والتنمية سابقا، ممهدا الطريق لسابقة سياسية قد نرى فيها رئيسا للحكومة لا يحمل بالضرورة صفة الأمين العام للحزب.

لكن المثير في خبايا هذا الانسحاب، هو حجم الإرباك الذي أحدثه في معسكر المعارضة. فالخصوم الذين شيدوا كامل استراتيجيتهم الانتخابية وخطابهم الهجومي على شخص أخنوش، وجدوا أنفسهم فجأة أمام عدو افتراضي يغادر الحلبة بمحض إرادته، مما يفرض عليهم إعادة صياغة خططهم من الصفر. لقد سلبهم أخنوش هدفهم المفضل، وتركهم في مواجهة مؤسسة حزبية قوية تقطع مع منطق الرجل الواحد.

في المحصلة، وسواء كانت هناك دوافع خفية لهذا القرار أو كان مجرد إيمان حقيقي بالتداول، فإن الرسالة وصلت لمن يهمهم الأمر هو أن السياسة في المغرب يمكن أن تضاء بغير الوجوه الخالدة. والقرار اليوم لا يرسم مستقبل الأحرار فحسب، بل يضع معيارا جديدا للتقاعد السياسي، موجها صفعة معنوية لأولئك الذين يعتقدون أن مؤسسات البلاد لا تستقيم إلا بوجودهم الأبدي في الواجهة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *