بين “قدسية السيادة” وثوابت الوحدة الترابية.. هل سقط “البيجيدي” في فخ التضامن الخاطئ مع فنزويلا؟

أثار البلاغ الأخير للأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، برئاسة الأستاذ عبد الإله ابن كيران، عاصفة من التساؤلات والقلق لدى الرأي العام المغربي، ليس لكونه يدافع عن مبدأ “سيادة الدول” فحسب، بل لأنه اختار الدفاع عن نظام فنزويلي الذي عرف تاريخيا بعدائه الصارخ للوحدة الترابية للمملكة ودعمه اللامشروط لجبهة “البوليساريو”. هذا الموقف أعاد إلى الأذهان انزلاقات سابقة لبعض أحزاب اليسار، مما يطرح سؤالا جوهريا وهو، كيف يمكن لحزب سياسي مغربي أن ينزاح للدفاع عن رموز دولة تعادي مصالحه الوجودية، تحت مبررات القانون الدولي، في وقت ينبغي فيه أن تكون “المصلحة الوطنية” هي البوصلة الوحيدة لكل تحرك خارجي؟

لقد حاول حزب العدالة والتنمية، من خلال بلاغه الصادر في 10 يناير الجاري، أن يمسك العصا من المنتصف؛ حيث أدان “الانتهاك الصارخ” لسيادة فنزويلا واعتبرها اعتداء على رموزها، معترفا في الوقت نفسه بموقفها العدائي والخاطئ من قضية الصحراء المغربية. غير أن هذا “الاعتراف” لم يشفع للحزب أمام الانتقادات؛ ففي لغة السياسة الدولية، لا يمكن فصل سيادة الدول عن مواقف تلك الدول. وإن الدفاع عن نظام “كاراكاس” في هذه اللحظة، مهما كانت مبررات احترام ميثاق الأمم المتحدة، يظهر نوعا من الانزلاق نحو المثالية الحالمة على حساب الواقعية السياسية، وكأن الحزب يمنح صك براءة أخلاقي لنظام لا يتوانى عن استهداف أمن المغرب القومي في المحافل الدولية.

المقارنة التي طرحتِها بين انزلاق “البيجيدي” وانزلاق حزب التقدم والاشتراكية سابقا تبدو دقيقة جدا؛ فكلاهما سقط في فخ “الأممية” الزائدة. فإذا كان اليسار قد انخرط سابقا في تضامنات أيديولوجية مع أنظمة ثورية معادية للمغرب، فإن العدالة والتنمية اليوم يقع في المحظور ذاته تحت مسمى “رفض الفوضى وتقويض الاستقرار”. وبالتالي فالتركيز على ما تعرضت له فنزويلا من اعتداء وتشبيه الحالة بما وقع في أفغانستان والعراق وسوريا، هو محاولة لتصدير صراع خارجي لا ناقة للمغرب فيه ولا جمل، بل والأدهى من ذلك، أنه تضامن مع طرف لم يحترم يوما سيادة المغرب على أراضيه، مما يجعل موقف الحزب يبدو متناقضا؛ فكيف نقدس سيادة فنزويلا بينما هي تنتهك سيادتنا بدعمها للانفصال؟

يرى الكثير من المراقبين أن بلاغ “البيجيدي” لم يكن موفقا في توقيته ولا في مضمونه؛ على اعتبار أن الموقف من سيادة الدول يجب أن يمر أولا عبر قناة التعامل بالمثل. ففنزويلا ليست دولة محايدة، بل هي طرف خصم في قضية الصحراء، والدفاع عن رموزها (الرئيس وزوجته) بعبارات قوية مثل “الاختطاف” و”الاعتداء المرفوض”، هو رفع لسقف التضامن إلى مستوى لا يستحقه نظام يعادي الوحدة الترابية للمملكة. وبالتالي فمبرر الحزب بأن الشأن الداخلي لفنزويلا “لا يهم سوى الفنزويليين” هو مبرر مردود عليه، لأن السياسة الخارجية لهذا النظام تهمنا جدا لكونها تمس أقدس مقدساتنا الوطنية.

اليوم، يظهر أن انزلاق حزب العدالة والتنمية يعكس أزمة في ترتيب الأولويات؛ فالسياسة الخارجية للأحزاب ينبغي أن تكون صدى لثوابت الدولة، وليس منبرا لتوزيع الدروس في القانون الدولي على حساب المشاعر الوطنية. أما محاولة الحزب الظهور بمظهر “حامي الشرعية الدولية” في قضية فنزويلا، لا يضعف من قوة الموقف المغربي الموحد، بل تفتح الباب لتساؤلات حول مدى قدرة الأحزاب على التمييز بين الصراعات الجيوسياسية الكبرى وبين المصالح الحيوية للمملكة. بمعنى من يدافع عن سيادة من يعادينا، يضع نفسه في موقف النشاز داخل الأوركسترا الوطنية التي لا تعزف إلا لحن الصحراء مغربية أولا وأخيرا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *