التضامن ضد الوطن.. كيف انزلقت الشبكة وحزب التقدم والاشتراكية إلى مواقف خطيرة؟

لم يعد من السهل تمرير بعض المواقف السياسية والجمعوية في المغرب باعتبارها مجرد “تعبير عن رأي” أو “اختلاف في التقدير”، حين تتقاطع هذه المواقف بشكل مباشر مع قضايا سيادية ومع تحولات دولية دقيقة. فما صدر أخيرا عن الشبكة الديمقراطية المغربية للتضامن مع الشعوب، وما لحقه من بلاغ لحزب التقدم والاشتراكية، يكشفان صراحة عن خلل عميق في فهم معنى التضامن، وحدود الموقف السياسي، ومسؤولية الفاعل العمومي حين يتعلق الأمر بالمصلحة الوطنية.
إعلان الشبكة تنظيم وقفة احتجاجية تضامنا مع دولة فنزويلا ورئيسها نيكولاس مادورو لم يكن حدثا معزولا أو زلة تعبيرية، بل شكل لحظة كاشفة لطريقة تفكير لا تزال أسيرة قاموس إيديولوجي متجاوز. على اعتبار أن الحديث هنا لا يتعلق بالتضامن مع شعب يرزح تحت وطأة الأزمات، بل باصطفاف واضح إلى جانب نظام سياسي يقوده رئيس متهم بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ومسؤول عن انهيار اقتصادي واجتماعي غير مسبوق، والأهم منهذا وذلك أنه نظام يعلن عداءه الصريح للوحدة الترابية للمملكة المغربية من خلال دعمه الثابت لجبهة البوليساريو.
هذا المعطى وحده كان كافيا ليفرض قدرا من التحفظ والمسؤولية، لكنه غاب تماما عن خطاب الشبكة، التي اختارت رفع شعارات “مناهضة الإمبريالية” والدفاع عن “السيادة”، دون أن تتوقف عند التناقض الصارخ بين هذا الخطاب وبين مواقف فنزويلا المعادية لسيادة المغرب. وهنا، يتحول مفهوم التضامن من قيمة أخلاقية إلى أداة انتقائية، يتم استدعائها حين تخدم سردية معينة، ويتم تهميشها حين تصطدم بالثوابت الوطنية.
غير أن ما يزيد المشهد إلتباسا وخطورة هو أن حزب التقدم والاشتراكية، ذلك الحزب السياسي الوطني الذي راكم تجربة طويلة في تدبير الشأن العام وتحمل مسؤوليات حكومية، اختار بدوره السير في الاتجاه نفسه. لأن بلاغ مكتبه السياسي، الذي أدان بشدة التدخل الأمريكي في فنزويلا واعتبر ما جرى “اختطافا” لرئيس فنزويلا وزوجته، لم يكتف بتبني سردية نظام مادورو، بل ذهب أبعد من ذلك من خلال مهاجمة الإدارة الأمريكية، الحليف الاستراتيجي الأول للمغرب في ملف الصحراء.
المفارقة هنا ليست فقط في مضمون البلاغ، بل في خلفيته السياسية، على اعتبار أن حزب التقدم والاشتراكية كان دائما في قلب المعارك الدبلوماسية التي خاضتها المملكة دفاعا عن سيادتها أمام مجلس الأمن والقوى الكبرى، وكان على دراية تامة بالدور الحاسم الذي لعبته الولايات المتحدة، ومعها قوى وازنة مثل بريطانيا وفرنسا، في دعم الموقف المغربي. ورغم ذلك، اختار الحزب توجيه سهام الإدانة إلى هذا الحليف، في مقابل التغاضي عن عداء نظام مادورو الصريح للمغرب، وهو عداء لم يكن يوما سريا أو عرضيا.
هذا التناقض لا يمكن تبريره بالمعارضة السياسية ولا بالاختلاف الإيديولوجي، على اعتبار أن القضايا السيادية لا يتم إدارتها بمنطق الشعارات أو اختزالها في ثنائيات قديمة من قبيل “إمبريالية” و”ممانعة، بل تتطلب حدا أدنى من الانسجام مع المصلحة العليا للبلاد، خاصة في سياق دولي معقد تتقاطع فيه التحالفات والمصالح بشكل غير مسبوق.
إن ما يجمع بين موقف الشبكة وموقف الحزب علي يعتة هو هذا الإصرار على تغليب الاصطفاف الإيديولوجي على حساب القراءة الواقعية للمصالح الوطنية. الأمر الذي يطرح إشكالا أعمق يتعلق بدور الفاعلين السياسيين والجمعويين في المرحلة الراهنة. فهل المطلوب منهم ترديد خطابات متجاوزة، أم المساهمة في تحصين الجبهة الداخلية في قضايا مصيرية لا تحتمل الغموض؟
تنظيم وقفات احتجاجية، أو إصدار بلاغات سياسية، في هذا السياق، لا يمكن عزله عن رمزيته وتأثيره. لأنه حين يتم استعمال الفضاء العمومي والمؤسساتي للتعبير عن مواقف تصب، بشكل مباشر أو غير مباشر، في خدمة أطروحات معادية للوحدة الترابية، فإن الأمر يتجاوز حرية التعبير إلى حدود المسؤولية الوطنية. وهنا تبرز ضرورة تدخل الدولة، ليس من منطلق القمع أو التضييق، بل من منطلق تفعيل القوانين المؤطرة للعمل الجمعوي والسياسي، وربط الحرية بالمسؤولية، ووضع حد لاستعمال شعارات نبيلة كالتضامن وحقوق الشعوب لتبرير مواقف تمس بالإجماع الوطني.
ما نشهده اليوم ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل أزمة بوصلة لدى بعض الفاعلين السياسيين والجمعويين الذين لم يستوعبوا بعد أن العالم تغير، وأن المغرب يخوض معارك دبلوماسية دقيقة تتطلب وضوحا لا لبس فيه، على اعتبار أن التضامن الحقيقي لا يكون ضد الوطن، والمواقف السياسية لا يتم قياسها بحدتها الخطابية، بل بمدى انسجامها مع المصالح العليا للبلاد. وأي تجاهل لهذه الحقيقة، مهما كان مغلفا بالشعارات، يظل خروجا مقلقا عن منطق الدولة والمسؤولية.