جامعة لقجع تستبدل الصحافة بالمؤثرين وتختار الترويج بدل المساءلة

لم يعد الجدل الدائر حول تدبير كرة القدم المغربية محصورا في النتائج أو الاختيارات التقنية، بل انتقل في السنوات الأخيرة إلى مستوى أخطر، يتعلق بالتحكم في الصورة، وتدبير الرواية، وإعادة تشكيل العلاقة بين المؤسسة الكروية والإعلام. اليوم أضحى واضحا أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم اختارت، بوعي كامل، الاعتماد على “المؤثرين الرقميين” كواجهة ترويجية بديلة، مقابل إقصاء ممنهج ومتكرر للمؤسسات الصحفية المهنية.
هذا التحول لا يمكن تبريره بمواكبة التحول الرقمي، ولا بتغير أنماط الاستهلاك الإعلامي، لأن ما يحدث ليس توسيعا لدائرة التواصل، بل تضييقا لها معا، على اعتبار أن الجامعة لم تفتح المجال للجميع وفق معايير شفافة، بل انتقت فاعلين بعينهم، بناء على منطق القرب والولاء، وليس على أساس المهنية والاستحقاق. وهنا بالضبط ينتقل الأمر من اختيار تواصلي إلى قرار سياسي داخل مؤسسة يفترض فيها الالتزام بالحياد والإنصاف أكثر منه إلى الولاءات والمحابات.
فالاعتماد على المؤثرين لا يخدم سوى هدف واحد، وهو إنتاج محتوى بلا أسئلة، وصورة بلا مساءلة، وخطاب يكتفي بالتصفيق وتلميع الواجهة لا غير. فالمؤثر، بحكم موقعه وطبيعة اشتغاله، عادة ما لا يطرح أسئلة محرجة، ولا يفتح حتى ملفات شائكة، ولا يملك لا الاستقلالية ولا الشرعية المهنية للقيام بدور رقابي. وهو ما يجعل منه الأداة المثالية لأي مؤسسة تبحث عن التحكم في السرد، لا عن النقاش العمومي.
في المقابل، تم تهميش الصحافة المهنية، ليس لأنها فشلت في مواكبة الحدث، بل لأنها تؤدي وظيفتها الحقيقية من خلال انتاج صحفي المهني يسائل، ويقارن، ينتقد، ويوثق. وهو خاضع لقوانين النشر، وللمساءلة القضائية، ولأخلاقيات المهنة. وهذا بالضبط ما يبدو أنه لم يعد مرغوبا فيه داخل منظومة تفضل إعلاما بلا تكلفة سياسية.
إن ما يجري اليوم ليس إقصاء عرضيا، بل سلوكا مؤسسيا يضرب في العمق مبدأ المساواة في الولوج إلى المعلومة. إذ كيف يمكن لمؤسسة عمومية أن تحرم منابر قانونية، تؤدي الضرائب وتتحمل كلفة التغطية والتأمين والتجهيز، وتمنح في المقابل الامتيازات نفسها لأشخاص لا يخضعون لأي إطار تنظيمي أو مهني؟ وهو سؤال لا يتعلق بحرية المحتوى، بل بخرق واضح لقواعد العدالة المؤسساتية.
الأخطر من ذلك أن الجامعة، بهذا التوجه، تعيد تعريف الإعلام الرياضي وفق منطق مشوه، حيث يتم قياس القيمة بعدد المتابعين لا بجودة المعلومة، وبقوة الصورة لا بعمق التحليل. والنتيجة في آخر المطاف، إعلام سطحي، يختزل كرة القدم في الفرجة والانتصار، ويغيب عنه النقاش الحقيقي حول التدبير، والاختيارات، والشفافية، والمحاسبة.
ثم إن هذا السلوك يضع الجامعة نفسها في موقع مريب، لأنها تتحول من مؤسسة يفترض فيها قبول النقد إلى جهاز يسعى إلى التحكم فيه. وبالتالي فحرمان الصحافة من التغطية، أو تقييدها، أو استبدالها بمحتوى موجه، لا يمكن فهمه إلا كخوف من السؤال، أو رفض للمساءلة، أو رغبة في إنتاج صورة أحادية لا تحتمل الاختلاف.
لا يتعلق الأمر هنا بصراع بين “إعلام تقليدي” و”إعلام جديد”، بل بصراع بين منطقين، الأولى تعتبر الإعلام سلطة رقابية وشريكا في البناء الديمقراطي، والثانية تراه مجرد أداة للترويج وتدبير الصورة. والجامعة، باختياراتها الحالية، تصطف بوضوح إلى جانب المنطق الثاني.
إن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وهي تنظيم وتستقبل تظاهرات قارية ودولية كبرى، مطالبة اليوم بإجابات واضحة، لا بخطاب ترويجي. لأن مؤسسة تخشى الصحافة المهنية، وتفضل المؤثرين، هي مؤسسة تخشى النقد، وتخشى الشفافية، وتغامر بمصداقيتها على المدى البعيد.
صحيح أن الترويج قد يصنع صورة جميلة مؤقتا، لكن الإعلام الحر وحده يصنع الثقة. ودون هذه الثقة، ستبقى كل البطولات، مهما كانت ضخمة، مجرد واجهة لواقع هش، قابل للانكشاف مع أول اختبار حقيقي للمساءلة.