محاكمة “جيل Z” تبدأ وسط جدل واسع وقلق حقوقي.. شباب بين المطالبة بالتعبير ومقصلة المتابعة

تنطلق هذا الأسبوع جلسات محاكمة معتقلي الاحتجاجات التي خاضها شباب ما بات يعرف إعلاميا بـ“جيل Z”، في واحدة من أكثر القضايا التي تشغل الرأي العام المغربي منذ نهاية شهر شتنبر الماضي، حين خرج المئات من الشباب في مظاهرات رقمية وميدانية ترفع شعارات اجتماعية واقتصادية تعبّر عن إحباط جيل كامل من السياسات العمومية.

وبحسب معطيات حصلت عليها هيئات الدفاع، فإن عدد المتابعين على خلفية هذه الاحتجاجات يتراوح ما بين 450 و500 شاب وشابة في حالة اعتقال، موزعين على مختلف المدن، فيما يتابع أكثر من 2000 شخص في حالة سراح، ليصل العدد الإجمالي للموقوفين إلى أزيد من 3500 شخص، بينهم نساء وقاصرون، معظمهم لا يتجاوز عمرهم الثلاثين سنة.

مصدر من هيئة الدفاع، فضل عدم الكشف عن هويته، أكد أن الاعتقالات شابتها اختلالات قانونية، واصفا بعضها بـ“العشوائية”، إذ تمت “دون احترام للمساطر المعمول بها، وبدون تحديد دقيق للأفعال المنسوبة لكل موقوف”، وأضاف أن الدفاع قدم في مختلف الجلسات السابقة ملتمسات السراح المؤقت، مدعومة بضمانات قوية كالسكن القار أو الوظيفة الثابتة أو حتى الكفالة المالية وسحب جواز السفر، “غير أن المحاكم رفضت جميع هذه الطلبات دون تعليل كاف”.

القضية التي أخذت منحى وطنيا بعد اتساع رقعتها الجغرافية، تعرف تباينا في الأحكام الصادرة، إذ تم الحكم على شاب من كلميم بخمس سنوات سجنا نافذا بتهمة “التحريض على الاحتجاجات عبر مواقع التواصل الاجتماعي”، فيما توزعت أحكام أخرى بمدن بركان وأكادير بين شهر وسنة واحدة، حيث وصلت الأحكام الإجمالية في الأخيرة إلى أكثر من 160 سنة سجنا نافذا ضد مجموعة من الشباب بتهم تتعلق بـ“التجمهر والتخريب والمشاركة في أعمال الشغب”.

ويرى مراقبون أن هذه المحاكمات تضع العدالة المغربية أمام اختبار دقيق بين منطق الردع ومنطق الإنصات، خصوصا وأن هؤلاء الشباب ينتمون إلى جيل رقمي جديد يستخدم الفضاء الافتراضي كوسيلة للتعبير، لا كأداة للتأجيج، ما يثير نقاشا أوسع حول حدود حرية التعبير ومسؤولية الدولة في احتواء الاحتقان بدل معاقبته.

في المقابل، تشدد بعض المصادر الرسمية على أن “الاحتجاج حق مكفول ما دام سلميا، لكن تخريب الممتلكات العامة والخاصة يظل جريمة يعاقب عليها القانون”، في حين تؤكد منظمات حقوقية أن “تجريم التعبير لا يمكن أن يكون حلا لمشكل اجتماعي يتفاقم يوما بعد آخر، خصوصا في ظل غياب قنوات وسيطة بين الدولة والشباب”.

قضية “جيل Z” تتجاوز بعدها القضائي إلى بعد اجتماعي وسياسي أعمق، إذ تعبّر عن هوة متزايدة بين الشباب والمؤسسات، وعن شعور جيل كامل بالتهميش في السياسات العمومية، مقابل ضعف فرص التشغيل وغلاء المعيشة واحتكار القرار.

ومع انطلاق الجلسات هذا الأسبوع، تتجه الأنظار إلى كيفية تعاطي القضاء مع هذا الملف المعقد، الذي سيحدد، في نظر الكثيرين، طبيعة العلاقة المقبلة بين الدولة وجيل جديد لا يعبر في الشارع فقط، بل يصنع رأيه وينشره عبر شاشة هاتفه الذكي.

وتبقى الأسئلة كثيرة والرهانات ثقيلة، فهل ستتعامل العدالة مع “جيل Z” كخطر يجب كبحه؟
أم كصوت يجب الإنصات إليه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *