منصات التشهير بدل منابر النقاش.. بواحي يصرخ في وجه الانحدار الأخلاقي للسياسة

في تدوينة جريئة ومحملة بلغة قوية، أثار الدكتور فريد بواحي، عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الدستوري، جدلا واسعا بعد أن وجه سهام نقده اللاذع إلى ما وصفه بـ”البلطجة السياسية” و”المرتزقة المأجورين” الذين يحاولون النيل من الشرفاء حين تعجز الأيدي المرتجفة عن مواجهتهم بالحجة والمنطق.

بواحي كتب على صفحته الشخصية أن “الأيدي المرتجفة حين تعجز عن مجابهتك بالحجة والمنطق، تلجأ إلى الأقنعة الرخيصة وأدوات التشويه”، مؤكدا أن بعض خصومه السياسيين يستعينون بـ“بلطجية مأجورين يملكون تاريخا مشبعا بالفساد والانحدار الأخلاقي، ظنا منهم أن الطين يمكن أن يلطخ الذهب”.

تدوينة بواحي لم تكن مجرد رد انفعالي على حملة معينة، بل جاءت كتشخيص دقيق لتحول المشهد السياسي المغربي إلى فضاء يختلط فيه النقاش بالفوضى، والفكر بالتشويه، والمعارضة بالتحريض. فالرجل، المعروف بخطابه الصريح داخل الهيئات المنتخبة بمكناس، أراد أن يوجه رسالة واضحة وهي أن الصراع السياسي فقد كثيرا من أخلاقياته، وأن “اغتيال السمعة” أصبح بديلا عن النقاش العقلاني، في زمن تتراجع فيه القيم السياسية لصالح المزايدات والمصالح الضيقة.

ولم يتردد الفاعل السياسي بمكناس في استعمال عبارات قوية لوصف خصومه، حين قال إن “هؤلاء ليسوا أصحاب مواقف، بل عبيد في بلاط سياسيين جبناء لا يملكون الجرأة للظهور، فيحركون أشباه رجال يتسكعون على اعتاب الذل مقابل فتات من المال أو وهم موقع أو نفوذ”، مؤكدا أن “من وظفهم لا يختلف عنهم سوى أنه يملك المال لا الشرف”.

عبارات تعكس، في عمقها، إحباطا من واقع سياسي فقد توازنه، وأصبح فيه “الماجور” من يملك الصوت الأعلى، بينما يترك الشرفاء في مواجهة آلة التشهير التي لا تتوقف.

مضمون تدوينة بواحي يسلط الضوء على أزمة أخلاقية عميقة تعيشها السياسة المغربية، حيث يتراجع النقاش حول الأفكار والمشاريع لصالح الهجمات الشخصية، ويستعمل الإعلام الرقمي ووسائل التواصل كأداة لتصفية الحسابات لا لتنوير الرأي العام. وفي هذا السياق، يبدو أن بواحي لم يكن يوجه خطابه إلى شخص بعينه، بقدر ما كان يعلن موقفا مبدئيا ضد ثقافة “الارتزاق السياسي”، التي تهدد ما تبقى من مصداقية الممارسة الحزبية.

ويعتبر فريد بواحي من الأسماء البارزة في المشهد السياسي المكناسي والتي تمثل داخل الاتحاد الدستوري تيارا نقديا يدعو إلى تجديد الخطاب السياسي وتحصين الممارسة من الابتذال والانحراف الأخلاقي. وموقفه هذا، وإن بدا قاسيا في لغته، إلا أنه يعكس قلقا حقيقيا من انزلاق الحياة السياسية نحو مساحات العنف الرمزي والتشهير الممنهج، بدل الحوار الهادئ والمسؤول الذي يفترض أن يكون قاعدة كل تنافس ديمقراطي.

وتبقى تدوينة بواحي هي أكثر من مجرد رد، بل إنها صرخة سياسية وأخلاقية تذكر بأن “الاختلاف لا يعني العداء”، وأن “الطين لا يلطخ الذهب”، كما قال. وهي رسالة مفتوحة إلى كل الفاعلين السياسيين والإعلاميين بأن الدفاع عن الموقف لا يبرر سقوط الكلمة، وأن السياسة، حين تفقد شرفها، تتحول إلى سوق مفتوح للمرتزقة، وساعتها، كما كتب بواحي، “لن يذكرهم التاريخ إلا في قاع العار، بينما تبقى كلمة الشرفاء نورا لا يطفئه نباح العاجزين”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *