فضائح متكررة في مشاريع طنجة.. المال العام بين سوء التدبير وضعف المراقبة

طنجة _ تشهد مدينة طنجة في الآونة الأخيرة موجة جدل واسع، عقب تفجر فضائح مرتبطة بمشاريع حضرية حديثة، أُعيد تنفيذها من الصفر بسبب اختلالات تقنية وهندسية خطيرة، رغم الكلفة المالية الباهظة التي رصدت لها. مصادر متطابقة أكدت أن لجنة خاصة، تضم خبراء في الهندسة والمحاسبة والتدقيق الإداري، باشرت تحقيقات معمقة لكشف خلفيات ما وصفه متتبعون بـ”الهدر الممنهج للمال العام”.
ووفق نفس المصادر، فإن عددا من المشاريع التي شملت البنيات التحتية وأوراش التهيئة العمرانية، اضطرت السلطات إلى إعادة الأشغال فيها بشكل كامل، بعد أن ظهرت عيوب في التصميم والتنفيذ بمجرد دخولها مرحلة الاستعمال. وهو ما يطرح علامات استفهام كبرى حول غياب المراقبة القبلية وضعف الإشراف الفني، إذ سمح ذلك بمرور أخطاء جسيمة لم يكن ممكنا تداركها إلا عبر إعادة الأشغال.
من أبرز الأمثلة الصادمة ما وقع بمحاذاة الثانوية الفرنسية في منطقة “روكسي”، حيث فوجئ المواطنون بأشغال حفر جديدة في الرصيف، لم تمض سوى أسابيع قليلة على تبليطه وتغطيته بالرخام. الأمر لم يتوقف عند الرصيف، بل امتد إلى أجزاء من الأسفلت المجاور الذي خضع هو الآخر للتجديد مؤخرا قبل أن يزال جزئيا مرة ثانية. مشهد أثار استياء السكان، الذين عبروا عن استغرابهم من تكرار نفس التدخلات في زمن قياسي، معتبرين ما يحدث دليلا على ضعف التخطيط والتنسيق بين المتدخلين.
هذه الواقعة جاءت بعد أسابيع فقط من فضيحة “ساحة سور المعكازين”، حيث ظهرت تشققات واضحة في أرضية المشروع بعد انتهاء الأشغال بفترة قصيرة، لتعود السلطات وتفتح تحقيقا داخليا في الموضوع. كما سبقتها واقعة مشابهة بساحة “فارو”، وهو ما يجعل من تكرار السيناريو علامة على خلل بنيوي في تدبير المشاريع العمومية.
المصادر ذاتها أكدت أن المهندسين والمشرفين على هذه المشاريع يعيشون حالة ترقب، في ظل احتمال تحميلهم جزءا من المسؤولية القانونية والإدارية. فاللجنة الموفدة بصدد التدقيق في ملفات الاختيار المسبق للمقاولات المنفذة، والتي وجهت إليها اتهامات بعدم الكفاءة والتقصير في احترام معايير الجودة. وبحسب خبراء في التعمير، فإن الإشكال لا يكمن فقط في ضعف بعض المقاولات، بل أيضا في غياب أنظمة صارمة للمراقبة القبلية والمواكبة التقنية المستمرة، ما يفتح الباب أمام تكرار نفس الأخطاء وتضييع موارد مالية ضخمة.
يعتبر ما يحدث بطنجة جرس إنذار حول كيفية تدبير الاستثمارات العمومية في المدن المغربية الكبرى. فالمواطنون، الذين انتظروا مشاريع تعزز جاذبية مدينتهم وتحسن جودة الحياة، يجدون أنفسهم أمام أشغال تزال لتعاد، بينما المال العام يتبخر في صفقات متعثرة. متتبعون للشأن المحلي يرون أن الأمر يتجاوز مجرد أخطاء تقنية، ليكشف عن حاجة ملحة إلى إصلاح منظومة الحكامة في تدبير المشاريع، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حماية للمصلحة العامة وصونا لثقة المواطنين في المؤسسات.
وبين لجان التحقيق وغضب الشارع، تبقى طنجة شاهدة على معضلة متكررة وهي أن مشاريع كبرى تنطلق بطموحات عالية، لتتعثر في التفاصيل التقنية والإدارية، قبل أن تعاد من جديد على حساب الزمن والمال. وهو ما يجعل الرهان الحقيقي اليوم ليس في إعادة التبليط أو الترميم، بل في إعادة بناء منظومة شفافة وفعالة لتدبير الشأن العمراني.