مكناس على حافة أزمة بيئية.. تأخر وزارة الداخلية في الحسم يهدد قطاع النظافة والمجلس يواجه إرث الأعطاب

في الوقت الذي يتابع فيه الرأي العام المكناسي باهتمام مسار قطاع النظافة، بعث عامل عمالة مكناس بمراسلة رسمية إلى رئيس الجماعة، تضمنت ملاحظات ميدانية لخلية التتبع والرصد حول عدة اختلالات، على رأسها ضعف خدمات النظافة. وحتى وإن بدت المراسلة في ظاهرها إجراء روتينيا في إطار صلاحيات السلطة الإدارية، إلا أنها في عمقها تحمل دلالات واضحة على أن وزارة الداخلية تراقب الوضع عن كثب، وقد تتحرك في الوقت المناسب إذا لم يتم تدارك الأزمة قبل انفجارها.

واقع الحال يؤكد أن ما ستؤول إليه الأوضاع البيئية بمكناس ليس مسؤولية المجلس الجماعي وحده، بل هو أيضا نتيجة مباشرة لتأخر مصالح وزارة الداخلية في التأشير على دفتر التحملات الجديد الخاص بالتدبير المفوض لقطاع النظافة، والذي صادق عليه المجلس في دورة أكتوبر الماضية. على اعتبار أن العقد الحالي مع شركة “ميكومار” سينتهي مع نهاية السنة الجارية، وبالتالي مع كل يوم تأخير في التأشير على الدفتر، معناه تقلص فرص الجماعة في فتح طلب عروض جديد في الوقت المناسب، وهو ما ينذر بفراغ تدبيري ستكون له كلفة بيئية ومالية وصحية باهظة.

ما ينبغي أن يفهمه الرأي العام هو أن المجلس الحالي، برئاسة عباس الومغاري، لم يأت لبدء صفحة بيضاء، بل لتحمل عبء إصلاح أعطاب ثقيلة خلفتها المجالس السابقة، من ضعف المراقبة، إلى غياب تفعيل الجزاءات، وصولا إلى سوء اختيار الشريك المفوض، ومن الوهم الاعتقاد أن هذه التراكمات، التي ترسخت عبر سنوات، يمكن محوها في بضعة أشهر، خصوصا حين تتعلق الإجراءات بسلطة الوصاية. واليوم، الكرة في ملعب وزارة الداخلية، التي يتحتم عليها الإسراع في التأشير على دفتر التحملات، لفتح باب المنافسة في التوقيت المناسب، واختيار شركة مؤهلة فعلا لانتشال قطاع النظافة من وضعه الحالي.

ويبقى الدرس الأهم الذي يجب أن يستوعبه الجميع، هو أن تجربة “ميكومار” بمكناس لم تكن ناجحة، بدليل تدهور مستوى النظافة وتراكم الخروقات، من عدم احترام الملف الاجتماعي إلى التقاعس في تنفيذ برنامج الاستثمار، الذي لم ينجز منه سوى أقل من 10%. ورغم أن المسؤولية مشتركة، فإن السلطات الوصية لم تتدخل بالصرامة المطلوبة، والمجالس السابقة لم تحسن استغلال أدواتها القانونية.

لكن المثير في المشهد هو ردود الفعل المبالغ فيها تجاه هذه المراسلة، والتي كشفت أن جوهر القضية ليس في مضمونها ولا في أهدافها، بل في الرغبة المحمومة لبعض الأطراف العدمية في استغلال أي مناسبة، ولو كانت إدارية شكلية، لتصفية حسابات سياسية ضيقة. هؤلاء الذين يطلون بين الفينة والأخرى بخرجات “فيسبوكية” أو تدوينات متشنجة، لا يقدمون أي حلول ولا يساهمون في النقاش العملي، بل يكتفون بنفث خطاب سلبي موجه ضد رئيس المجلس، وكأن الأزمة البيئية المرتقبة مجرد فرصة للانتقام الشخصي، لا تحد جماعي يستدعي تضافر الجهود.

هذه الأصوات، التي لا تملك من الفعل سوى التباكي والتهويل، تتجاهل أن الموضوع أكبر من شخص أو مجلس، وأنه ذو حمولة وطنية ترتبط بقدرة الدولة والمجتمع المحلي على ضمان استمرارية خدمة حيوية تمس الصحة العامة، وبالتالي فتحويل نقاش بيئي استراتيجي إلى ساحة لتصفية الحسابات، هو قمة العبث السياسي، ويكشف عن ذهنية عاجزة عن إدراك حجم الرهانات المطروحة.

اليوم، المطلوب هو تضافر الجهود بين الجماعة والسلطات الترابية، مع التعجيل من طرف وزارة الداخلية في التأشير على دفتر التحملات، حتى يتم فتح المنافسة في أقرب وقت، وتفادي تكرار أخطاء الماضي، وفي الوقت نفسه، على رئيس الجماعة تفعيل لجان المراقبة بصرامة وتوقيع الغرامات المستحقة على الشركة الحالية، لأن المال مال عام، وأي تهاون في صيانته هو هدر لحقوق المواطنين.

إن المراسلة العاملية الأخيرة ليست ورقة عابرة في الأرشيف الإداري، بل هي جرس إنذار مبكر، وبالتالي فإذا لم يتم التعامل معها بجدية، بعيدا عن الحسابات الصغيرة، فقد تجد مكناس نفسها أمام أزمة بيئية خانقة، يدفع ثمنها المواطن أولا، وتتحمل وزرها كل الأطراف المعنية، من الجماعة إلى وزارة الداخلية، مرورا بكل من يكتفي بالصراخ على هامش الفعل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *