عجز تاريخي وتفاقم الديون.. حكومة أخنوش أمام فشل بنيوي في تدبير المالية العمومية

في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة الترويج لأرقام الارتفاع القياسي في المداخيل الضريبية باعتبارها دليلا على “نجاح” سياساتها، تكشف المعطيات الرسمية الصادرة عن الخزينة العامة للمملكة صورة مغايرة، حيث قفز عجز الميزانية إلى 53,7 مليار درهم مع متم يوليوز 2025، مقابل 35,3 مليار فقط قبل سنة، أي بزيادة تناهز 18,4 مليار درهم في ظرف عام واحد.

ورغم أن المداخيل العادية ارتفعت بنسبة 19,2% لتبلغ 241,1 مليار درهم، مدفوعة أساسا بزيادة الضرائب المباشرة ورسوم التسجيل والتنبر والإيرادات غير الضريبية، فإن هذه الطفرة في التحصيل لم تمنع نزيف العجز الذي فاقمه تضخم النفقات العادية إلى 185,8 مليار درهم، وارتفاع إجمالي النفقات إلى 325,3 مليار درهم نتيجة تصاعد نفقات التسيير والاستثمار.

هذا التناقض بين وفرة الموارد واتساع العجز يطرح أسئلة جوهرية حول جدوى السياسات المالية الحالية، حيث يرى خبراء أن المشكل لا يكمن في قلة المداخيل بقدر ما يرتبط بسوء تدبيرها، في ظل اعتماد مفرط على الضرائب غير المباشرة التي تثقل كاهل الطبقات الوسطى والفقيرة، مقابل غياب إصلاح جبائي يستهدف الثروة الكبرى أو يحد من الامتيازات الضريبية الممنوحة لقطاعات نافذة.

وفي المقابل، تستمر الحكومة في اللجوء إلى الاقتراض الداخلي والخارجي لتمويل العجز، ما يرفع أعباء خدمة الدين التي بلغت 29,3 مليار درهم، وهو ما يعتبره المراقبون مؤشرا على تآكل هامش السيادة المالية وتحويل جزء مهم من الميزانية لسداد الديون بدل توجيهها للاستثمار المنتج وتحسين الخدمات العمومية.

وبينما تعلن الحكومة عن أرقام قياسية في التحصيل الضريبي، لا يلمس المواطن أثرا ملموسا لذلك في حياته اليومية، فالأسعار تواصل الضغط على القدرة الشرائية، والبنية التحتية في الصحة والتعليم ما زالت تعاني من ضعف الاستثمار، فيما تلتهم نفقات التسيير وفوائد الدين النصيب الأوفر من الميزانية. وفي ظل غياب ضبط فعلي للإنفاق وإصلاحات بنيوية جريئة، يخشى أن يتحول هذا المسار إلى حلقة مفرغة من العجز والاستدانة، حيث يدفع المواطن الفاتورة النهائية لنظام مالي يفتقر إلى العدالة ويغيب عنه البعد الاجتماعي في أولوياته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *