من وثيقة إدارية إلى سلاح سياسي.. كيف تحولت مراسلة عامل مكناس إلى مادة لتصفية الحسابات؟

مكناس _ لم تكن المراسلة التي بعثها عامل عمالة مكناس إلى رئيس جماعة مكناس، عباس الومغاري، سوى إجراء إداري روتيني في إطار مقتضيات القانون 57.19 المتعلق بالأملاك العقارية للجماعات الترابية، بعدما رصدت خلية التتبع والرصد بعض الاختلالات الميدانية المرتبطة باحتلال الأرصفة وضعف العناية بالفضاءات العامة. إلا أن تسريب هذه الوثيقة إلى الرأي العام قلب المعادلة، إذ سرعان ما وجدت طريقها إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث جرى توظيفها سياسيا لإشعال معركة استهداف شخصية الرئيس.
اللافت أن هذا التسريب، الذي يرجح أن مصدره إما مكتب ضبط العمالة أو مصالحها الخارجية أو مكاتب الجماعة، كشف عن خلل في تدبير سرية المراسلات الإدارية، وأعطى الفرصة لخصوم الرئيس السياسيين لاستغلالها خارج سياقها. حتى أن حزب “مول المازوط” دخل في حالة هيستيريا سياسية، محركا جيوشه الفيسبوكية و”نكافاته” المأجورة، في حملة يائسة للنيل من رئيس الجماعة، في مشهد يعكس أن هناك من كان ينتظر اللحظة المناسبة لفش غله وإخراج ما في جعبته من حقد سياسي دفين.
لكن بعيدا عن التوظيف السياسي، لا يمكن إنكار أن مضمون المراسلة وضع الأصبع على الجرح في بعض النقاط الحساسة، خاصة في ما يتعلق بقطاع النظافة، حيث تسجل اختلالات كبيرة في أداء الشركة المفوض لها تدبير القطاع، وهو ما يفرض على مصالح الجماعة أن تكون أكثر حزما في تطبيق بنود دفتر التحملات، وتفعيل مسطرة الجزاءات المنصوص عليها قانونا، بدل الاكتفاء بالملاحظات الشكلية.
الأمر نفسه ينطبق على ملف العناية بالمدارات الطرقية والحدائق العمومية، حيث يلاحظ تقصير واضح من طرف الشركة المكلفة بالغراسة وتدبير المساحات الخضراء. وهنا أيضا تبرز مسؤولية الجماعة في الحزم ومحاسبة الشريك المفوض، وتفعيل العقوبات المالية والتنظيمية التي يتيحها القانون، حماية لجمالية المدينة ولحق الساكنة في فضاءات حضرية تليق بها.
وفي نهاية المطاف، تظل المسؤولية في هذه الملفات مشتركة بين الجماعة باعتبارها صاحبة الاختصاص، والسلطة المحلية بصفتها جهاز المراقبة والتتبع، إذ إن المراقبة الاستباقية وتطبيق القانون بحزم كانا قادرين على معالجة هذه الاختلالات قبل أن تتحول إلى مادة للتجاذب السياسي والصراع الحزبي.
ردود الفعل المبالغ فيها تجاه هذه المراسلة تكشف أن جوهر القضية ليس في مضمونها، الذي لا يخرج عن المراسلات الإدارية العادية التي يوجهها العامل في إطار مهامه الرقابية والتتبعية، بل في الرغبة المحمومة لبعض الأطراف في استثمار أي فرصة، ولو كانت شكلية، لتصفية حسابات سياسية ضيقة على حساب المصلحة العامة، بينما الواقع يفرض مواجهة المشاكل الميدانية بقرارات عملية لا بمناورات فيسبوكية.