فضيحة البطاقة المهنية.. اللجنة المؤقتة تغلق المنصة دون سابق إنذار والوزير بنسعيد “ضارب الطم”

كان من المتوقع، منذ تأسيس المجلس الوطني للصحافة، أن يُشكّل خطوة متقدمة نحو تنظيم القطاع الإعلامي بالمغرب وتحسين أوضاع الصحافيين. غير أن الواقع الحالي يكشف عن صورة مغايرة تمامًا، تطغى عليها العشوائية وغياب الرؤية، خاصة في تدبير ملف بطاقة الصحافة المهنية. وهو ما يعكس فشلًا ذريعًا في بلوغ الأهداف التي كان يُفترض أن يسعى إليها المجلس. فاليوم، تبدو اللجنة المؤقتة المُكلفة بتسيير شؤون القطاع، وبمباركة واضحة من وزير الثقافة والشباب والتواصل المهدي بنسعيد، لا تساهم فقط في تعميق الفوضى، بل تحوّلت إلى عائق حقيقي أمام تنظيم المهنة، وتهديد مباشر لمستقبل الصحافة في المملكة.

ففي الوقت الذي بشّرت فيه اللجنة المؤقتة عبر بلاغ رسمي صدر في أكتوبر 2024 بإطلاق عملية طلب بطاقة الصحافة المهنية برسم سنة 2025 على مرحلتين، الأولى من فاتح نونبر إلى 10 دجنبر، والثانية من 3 مارس إلى 30 أبريل، تفاجأ الجسم الصحفي مجددًا بفضيحة من العيار الثقيل. فالدورة الثانية التي كان يُنتظر أن تُصحح ما شاب الدورة الأولى من ارتباك، بدأت وانتهت دون أن تُفتح المنصة الإلكترونية المخصصة لإيداع الطلبات. والأسوأ من ذلك، أن البلاغ الرسمي ذاته الذي حدد مواعيد الإيداع، حُذف بشكل غامض من موقع المجلس الوطني، وكأن الأمر لا يعني أحدًا، وكأننا أمام إدارة لا تعترف لا بالالتزام ولا بالمحاسبة.

وإذا كانت اللجنة المؤقتة قد اختارت الصمت، فإن الوزير المهدي بنسعيد، المسؤول السياسي الأول عن القطاع، لا يمكنه التنصل من مسؤوليته في هذا العبث المتواصل. فالصمت أمام فشل اللجنة، وتجاهل احتجاجات الجسم الصحفي، ليس سوى تواطؤ غير معلن مع فوضى تنخر قطاعًا حيويًا يُفترض أنه ركيزة من ركائز الدولة الديمقراطية. لقد تحوّل تدبير بطاقة الصحافة إلى نموذج صارخ للفشل المؤسسي، وفضيحة موثقة بالصوت والصورة والمنصة المغلقة.

فالعبث الذي نعيشه اليوم في تدبير ملف البطاقة المهنية لا يمكن اعتباره حالة معزولة، بل هو امتداد لفوضى عارمة تنخر جسد القطاع الإعلامي في المغرب. وإذا كانت اللجنة المؤقتة من المفترض أن تكون الجهة المؤتمنة على تنظيم هذا الورش، فإن الواقع يكشف عكس ذلك تمامًا؛ صحافيون تائهون وسط إجراءات غامضة، وتأخيرات غير مبررة، وتجاهل تام لمطالبهم. وكل هذا في وقت يفترض فيه أن تكون الصحافة الوطنية قد دخلت عهد التنظيم والاحتراف، تماشياً مع التحولات التكنولوجية والإعلامية التي يشهدها العالم.

لكن الحقيقة المؤلمة هي أن العبث الذي يطبع المشهد الصحافي اليوم لا يُمكن أن يُعزى فقط إلى أعضاء اللجنة المؤقتة، بل يشمل أيضًا الوزير المهدي بنسعيد، باعتباره المسؤول السياسي المباشر عن هذا القطاع. فمنذ توليه حقيبة الثقافة والشباب والتواصل، وُضعت وزارته أمام اختبار حقيقي لوقف التدهور الذي يعرفه قطاع الإعلام، غير أن ما حصل هو العكس تمامًا؛ استمر العبث، وتكرست الفوضى، وغابت الآليات الكفيلة بإصلاح الوضع. الوزير، الذي كان يُفترض أن يكون أول المدافعين عن الصحافيين ومهننتهم، اختار الصمت وترك الأمور على حالها، دون تقديم أي مبادرة فعلية توقف هذا الانحدار.

إن استمرارية هذا العبث لم تعد مجرد صدفة أو خلل ظرفي، بل مؤشر على وجود قوى خفية ومصالح نافذة تقاوم بشراسة أي محاولة للإصلاح أو التغيير داخل هذا القطاع الحيوي. فالممارسات غير القانونية والتدبير الفوضوي، بدل أن يتواجَه بالحزم، يتم عض الطرف عنها، بل ويتواجد أحيانًا من يبررها ويدافع عنها. أما الصحافيون، فقد أصبحوا يشعرون أكثر من أي وقت مضى بأنهم مستهدفون، مهمشون، ومجرد أدوات داخل منظومة لا تعير أدنى اهتمام لمشاكلهم وهمومهم، في ظل صمت مطبق من الجهات الوصية التي تكتفي بالمراقبة من بعيد.

اليوم، أمام هذا الواقع العبثي الممنهج، لم يعد مقبولًا أن تواصل وزارة المهدي بنسعيد التفرج على هذا الانحدار دون تحمّل مسؤولياتها التاريخية، لإن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط مستقبل الصحافة، بل يضرب في العمق مصداقية المهنة وكرامة العاملين فيها. فالوزير الذي كرس للفوضى بالأمس عندما أشر على قرار سن لجنة مؤقتة مطالب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بوضع حدّ لهذا التخبط، واتخاذ قرارات جريئة تعيد للقطاع توازنه واحترامه. وإن هو اختار الصمت أو التواطؤ، فلن يكون سوى أحد الوجوه البارزة في الأزمة التي تعصف اليوم بإحدى أهم ركائز الديمقراطية في هذا البلد. فهل سيستمر هذا العبث الذي يعصف بقطاع الصحافة في المغرب؟ هل ستظل وزارة الثقافة والشباب والرياضة ورئيس الحكومة متفرجين على هذا الوضع المتردي؟ ألم يحن الوقت لتحمل المسؤولية واتخاذ خطوات حاسمة نحو إصلاح القطاع؟ أم أن الصحافة ستظل أسيرة للفوضى والغياب التام للتنظيم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *