بعدما أخرج “البيجيدي” من “العناية المركزة”.. بوانو ضحية جديدة لبيروقراطية الغرف المغلقة

بقلم | فؤاد السعدي

تتغذى البيروقراطية الحزبية حين تصاب بالجمود على تعليب القرارات السياسية الكبرى داخل أغلفة مسطرية أنيقة ومنمقة، محاولة إيهام القواعد والرأي العام بأن ما يجري خلف الكواليس ليس سوى ممارسة ديمقراطية راقية وتداول سلس على المسؤوليات. غير أن البلاغ الأخير للأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، بشأن المصادقة على اختيار إدريس الأزمي الإدريسي رئيسا للفريق النيابي، ونقل عبد الله بوانو إلى موقع المرشح لنيابة رئيس مجلس النواب، يمثل عينة صارخة لعملية تدجين ناعم وتنكر سياسي صريح لشخصية خاضت معركة الوجود وأعادت للحزب نبضه تحت القبة.

فأن تدار العملية عبر مراحل شكلية من الترشيح والتداول والتصويت السري، لا يغير من الحقيقة المرة شيئا، بمعنى كيف يمكن الحديث عن منافسة متكافئة أو اقتراع حر ونزيه داخل بيئة تنشط فيها موازين القوى لصالح بروفايل جاهز ومحسوم سلفا؟ فالأزمي، بثقله داخل المطبخ التنظيمي والمجلس الوطني وقربه المباشر من القيادة النافذة، يملك أوراق النفوذ الهادئ التي ترجح كفته تلقائيا في أي اقتراع إشرافي يخضع لتوازنات الغرف المغلقة، مما يجعل الشكليات المسطرية مجرد غطاء إجرائي لشرعنة قرار تم إعداده ببرودة متناهية.

وبالتالي فالإشكال الحقيقي لا يكمن في الأشخاص، بل في الفلسفة الخطيرة التي باتت تطبع التعاطي الحزبي مع المناضل الميداني. فعقب زلزال 2021 الانتخابي، وتراجع الحزب إلى 13 نائبا فقط، أُصيبت الهياكل بالذهول والخدر السياسي، وفي تلك اللحظة الحرجة بالذات، تقدم عبد الله بوانو كرأس حربة ومطفئ لجميع الحرائق. بكتيبة برلمانية قزمية عددا، خاض بوانو معركة شراسة وجودية، واستطاع بأسلوبه المباشر وخطابه الساخن إحراج الحكومة وفرض معارضة ميدانية شرسة أعادت للمصباح هيبته وصوته وصنع بها الحدث الإعلامي والمؤسساتي من قلب العناية المركزة.

واليوم، وبمجرد أن استعاد الحزب أنفاسه وتجاوزت العاصفة ذروتها، يكافأ مهندس القيامة البرلمانية بالإزاحة من خط المواجهة الأول ونقله إلى موقع إداري بروتوكولي داخل مكتب المجلس، في نقلة تشبه في جوهرها عملية إبعاد ناعم وتجريد للسلاح السياسي. وهنا ينكشف مفهوم المرحلية الوظيفية لدى مطبخ القرار، عندما يستدعى “فرسان الميدان” للتضحية وامتصاص الصدمات في أوقات الهوان والشدة، ويتم الاستغناء عنهم وتقليم أظافرهم فور انتهاء المهمة لصالح رجال الصالونات، والتقارير الجافة، ولغة الميزانيات.

تتعدى هذه الخطوة أيضا حدود التنكر الفردي لتفصح عن صراع أعمق بين مدرستين، الاولى مدرسة الميدان والمواجهة المباشرة التي يمثلها بوانو بشرعيته الميدانية الناتجة عن أداء ملموس، والثانية مدرسة البيروقراطية والتكنوقراطية التي تفضل المعارضة الدفاعية الناعمة المحسوبة بالأرقام والتي يجسدها الأزمي. وبين هذه وتلك يبدو أن الشرعية الميدانية الشارعة التي اكتسبها بوانو بدأت تشكل إحراجا أو تهديدا للمطبخ التنظيمي، فجاء القرار ليعيد فرض سلطة الهيكل المغلق وتدجين خطاب الفريق عبر تقييد بوانو بواجب التحفظ المؤسساتي داخل مكتب المجلس، وتجريد المعارضة من درعها الصلب في خدمة مجانية لم تكن تحلم بها الحكومة نفسها.

هذه الرسالة القاسية لا تتوقف عند حدود البرلمان، بل تخترق التنظيم لتبعث بإشارة محبطة للقواعد والقيادات الإقليمية الشابة، مفادها أن الشراسة في الميدان والتضحيات في زمن الأزمات مجرد أدوات استهلاكية مؤقتة، وأن الولاء للمساطير والتوازنات التنظيمية المغلقة هو المحدد الوحيد لحصد المواقع. وبينما يحاول البلاغ إضفاء طابع المساواة والديمقراطية، يظل الواقع يصرخ بأن “المصباح” قد أطفأ بيده شعلة المعارضة الحقيقية تحت قبة البرلمان، مضحيا بفرسان خط النار في سبيل ترتيبات تنظيمية باردة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *