مكناس.. صاحب مقهى مشهورة بشارع محمد السادس في مواجهة السلطات بعد تمرده على قرار إخلاء الملك العمومي

مكناس _ من يتجول هذه الأيام بشارع محمد السادس بمكناس، يلحظ بوضوح حجم التحول العمراني الذي يشهده هذا الشريان الحيوي بقلب المدينة، فالورش الكبير الذي أطلقته جماعة مكناس منذ يوليوز الماضي، والذي يشمل إعادة تهيئة الطريق والأرصفة وتحسين الفضاء العام، لا يمثل مجرد مشروع بنية تحتية، بل هو إعلان عن رغبة المدينة في استعادة صورتها العريقة وتجاوز سنوات من الإهمال والتراجع. فبكلفة تقارب 63 مليون درهم، ومدة إنجاز محددة في ثمانية أشهر، تراهن الجماعة على إخراج المشروع في أبهى حلة، انسجاما مع مكانة مكناس التاريخية والحضارية.
غير أن هذا الورش النموذجي، الذي يسير بوتيرة جيدة رغم بعض الإكراهات التقنية، اصطدم بسلوك يثير الدهشة والاستغراب في الآن ذاته، فبينما استجاب جميع أصحاب المحلات والمقاهي لنداء إدارة الجماعة بإخلاء واجهاتهم وتجنب استغلال الملك العمومي مؤقتا حتى انتهاء الأشغال، اختار صاحب مقهى مشهورة أن يغرد لوحده خارج السرب، متمسكا باستغلاله غير القانوني لمساحة تدخل ضمن نطاق الورش، وكأنه فوق التعليمات والقانون.
المثير أن هذا المقهى ليس مجهولا ولا صغيرا، بل من أشهر المقاهي على طول الشارع، يرتاده المئات يوميا، ما يجعل تصرف صاحبه أكثر استفزازا. فرغم تدخل السلطات المحلية، ممثلة في قائد الملحقة الإدارية 19، ميدانيا وابلاغه بضرورة التوقف الفوري عن عرقلة الأشغال، ملوحة باستخدام القوة العمومية إن استمر في التعنت، ظل الوضع على ما هو عليه، وكأن الرجل يستمد حصانته من جهة ما، أو يملك من النفوذ ما يكفي لتحدي القرارات الرسمية.
وهنا يطرح السؤال نفسه بحدة حول من يحمي صاحب هذا المقهى؟ ومن يجرؤ على منحه امتياز تحدي الدولة في وضح النهار؟ هل نحن أمام حالة استقواء خفي بشبكة مصالح تحمي “المحظوظين” حين يخرقون القانون؟ أم أن الأمر مجرد تهاون إداري يخشى الدخول في مواجهة مع صاحب مشروع تجاري معروف؟
المفارقة المؤلمة أن باقي التجار والمقاهي أبانوا عن حس وطني ومسؤولية عالية، عندما ضحوا مؤقتا بمصالحهم احتراما للمصلحة العامة، بينما يكافأ هذا الخارج عن الصف بالصمت والتراخي، وبالتالي كيف يمكن أن تبنى دولة القانون إذا كان تطبيقه انتقائيا؟ وكيف يمكن إقناع المواطنين بجدوى احترام القوانين، إذا كان من يملك المال أو العلاقات يستطيع الالتفاف عليها دون عقاب؟
الأخطر من ذلك أن هذا السلوك الفردي يهدد بتقويض الجهود المبذولة لإنجاح مشروع يرمز إلى صورة المدينة الحديثة، على اعتبار أن عرقلة الأشغال في نقطة واحدة قد تؤخر الإنجاز بأكمله، وتؤثر سلبا على السير العادي للمقاولة المشرفة، التي تخضع بدورها لآجال محددة ومراقبة مالية صارمة. والأدهى أن أي تساهل في هذه الحالة سيشكل سابقة تغري آخرين باتباع النهج نفسه، فيتحول الورش العمومي إلى ساحة مزاجية تدار بمنطق القوة لا القانون.
اليوم الجماعة الترابية والسلطات المحلية أمام اختبار حقيقي، فإما أن تؤكد التزامها الصارم بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وإما أن تترك المجال مفتوحا أمام الانطباع السائد بأن في مكناس من يعامل بمعايير خاصة، فالقانون الذي يخضع له المواطن البسيط يجب أن يطبق بنفس الصرامة على أصحاب النفوذ، وإلا فكل الشعارات حول الحكامة والمساءلة والمواطنة تبقى مجرد حبر على ورق.
فصاحب المقهى لم يتحد الجماعة فقط، بل تحدى منطق الدولة برمته، حين قرر أن يضع مصلحته فوق المصلحة العامة، وبالتالي، مهما كانت مبرراته، فإن استمرار احتلاله لمساحة تدخل ضمن الملك العمومي في ورش ممول من المال العام، يشكل إهانة واضحة للسلطة وللساكنة التي تنتظر نهاية الأشغال بفارغ الصبر. فالقانون لا يتجزأ، ومصداقية المؤسسات تقاس بقدرتها على فرضه، لا بعدد البلاغات التي تصدرها.
إن ما يحدث بشارع محمد السادس ليس مجرد واقعة عرضية، بل مؤشر على خلل أعمق في علاقة بعض المستثمرين بالسلطة، إذ يتصرف البعض وكأنهم فوق المساءلة، محتمين بصداقات أو بشبكات ظل تمنحهم شعورا زائفا بالحصانة، لكن الحقيقة أن القانون، إن لم يطبق الآن، سيطبق لاحقا، لأن منطق الدولة لا يدار بالمجاملة، بل بالانضباط والمسؤولية.
شارع محمد السادس ينتظر أن يرى إن كانت السلطة المحلية ستفي بوعيدها وتباشر عملية الإزالة ولو بالجرافات، أم أنها ستتراجع تحت ضغط العلاقات، فإما أن ينتصر منطق الدولة، أو أن تنتصر عقلية “الاستثناء”. وفي الحالتين، ستكشف الأيام المقبلة من هو الأقوى بمكناس، القانون أم من يعتقد نفسه أكبر منه.