التدوير السياسي وغياب الإرادة في محاربة الفساد.. مغادرة الراشدي وتداعيات تقرير هيئة النزاهة

لم تكن التغييرات الأخيرة التي مست ثلاث مؤسسات دستورية، يوم الاثنين، مجرد حركة انتقالية عادية بين المناصب، بل حملت في طياتها دلالات سياسية ورسائل قوية. عملية “التدوير” بين المسؤولين البارزين شملت تعيين محمد بنعليلو على رأس هيئة النزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، بعدما كان يشغل منصب وسيط المملكة، ليحل محله حسن طارق العائد من منصبه الدبلوماسي بسفارة المغرب بتونس، فيما تم تعيين عبد القادر اعمارة خلفًا لأحمد رضا الشامي في رئاسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي، بعد انتقال الأخير إلى منصب سفير المغرب لدى الاتحاد الأوروبي. لكن وسط هذه التعيينات، برز غياب اسم محمد البشير الراشدي، رئيس هيئة النزاهة السابق، الذي وجد نفسه خارج الحسابات بعد شهور من الضغوط والهجوم على خلفية تقريره عن كلفة الفساد.

تقرير الهيئة حول الفساد كان بمثابة الزلزال الذي هز أركان الحكومة، بعدما كشف أن المغرب يخسر 50 مليار درهم سنويًا بسبب الفساد، وأدان تعطل آليات محاربته. موقف الراشدي لم يكن مجرد توصيف للواقع، بل كان إدانة صريحة لغياب الإرادة السياسية في محاربة هذه الظاهرة، وهو ما أكده في حواراته الإعلامية، حيث شدد على أن الفساد يمس القضاء والسياسة والإدارة، ويعيق التنمية، في ظل تقييد الحق في التبليغ بقوانين مثل مقتضى “السر المهني”. لكن الحكومة لم تتفاعل مع التقرير عبر مراجعة سياساتها أو تصحيح الاختلالات، بل لجأت إلى الهجوم المباشر وتقليص ميزانية الهيئة، ثم إخضاعها لمراجعة ضريبية اعتبرها عبد الإله بنكيران “انتقامًا سياسيًا”.

الوزراء كانوا في طليعة المنتقدين، حيث هاجمه الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، متهمًا إياه بجهل القوانين، بينما تهكم عبد اللطيف وهبي عليه، واصفًا إياه بأنه “مسيح زمانه” الذي يرى أن “الجميع فاسد”، وطالبه بتقديم دليل مادي على الـ50 مليار درهم التي أشار إليها التقرير. التصعيد لم يكن حكوميًا فقط، بل امتد إلى البرلمان، حيث انسحب فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس المستشارين احتجاجًا على عرض الهيئة، معتبرًا أنها تتهم الجميع بالفساد، بما في ذلك البرلمان نفسه.

الهيئات الحقوقية لم تقف صامتة أمام هذا الاستهداف، بل أبدت رفضها لهذه الهجمات، مؤكدة أن ما يتعرض له الراشدي هو محاولة واضحة لإخماد صوت أي مؤسسة تتجرأ على فضح الفساد. تقرير الهيئة لم يكن مجرد أرقام، بل كشف بوضوح ضعف تفاعل الحكومة مع توصيات مكافحة الفساد، وتراجع المغرب في مؤشرات الشفافية، فضلًا عن انتقاده لتجميد اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، وهو ما دفع منظمة “ترانسبرانسي المغرب”، التي كان الراشدي أحد رموزها، إلى الانسحاب منها.

أحد الملفات التي لم يغفلها الراشدي كان المطالبة بإقرار إطار قانوني صارم لمحاربة الإثراء غير المشروع، وهو القانون الذي سحبته حكومة أخنوش من البرلمان، إلى جانب انتقاده لتأخر إنشاء الوكالة الوطنية لتدبير الأموال المحجوزة المتأتية من الفساد، ورفضه تقييد حق الجمعيات في تقديم شكايات ضد الفاسدين وناهبي المال العام. كما أكد أن توصيات الهيئة حول مشروع قانون المسطرة الجنائية كانت تهدف إلى تعزيز آليات التبليغ والتحري، ومتابعة جرائم الفساد بفعالية، لكن الحكومة لم تتجاوب معها.

رحيل الراشدي عن الهيئة، التي قادها منذ 2018، لم يكن سوى تأكيد لما تراه أصوات حقوقية بالمغرب حول تغول الفساد، وتحوله إلى نظام لتدبير الشأن العام بدلًا من كونه استثناءً يجب محاربته. فالمؤشرات الوطنية والدولية تتفق على أن الفساد في المغرب لم يعد مجرد خلل يمكن إصلاحه ببعض الإجراءات، بل أصبح آلية مهيمنة تتحكم في القرار السياسي والاقتصادي، دون وجود نية حقيقية لوقفه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *