قبل الاقتراع.. أناس الأنصاري يكرس منطق الإقصاء والتهميش داخل حزب الأصالة والمعاصرة بمكناس

تعيش الساحة السياسية بمدينة مكناس على وقع حالة من الاستغراب والاستهجان الشديدين، تزامنا مع الاقتراب التدريجي للاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في شتنبر 2026، بطلها أناس الأنصاري، وكيل لائحة حزب الأصالة والمعاصرة المرتقب، وهو الاسم الذي نزل بالباراشوت والصدفة المحضة على الحزب، ليدشن مساره السياسي بضرب صارخ لكل الأعراف والتقاليد التنظيمية التي تؤطر العمل الحزبي والمؤسساتي. فلم يكتف “مرشح العائلة”، الذي تم الدفع به في سياق صراع وتصفية حسابات عائلية ضيقة في مواجهة ابنة عمه مروى الأنصاري بحزب الاستقلال، بمحاولة فرض نفسه كأمر واقع على قواعد “الجرار” بمكناس، بل انخرط في سلوكيات إقصائية غير مسبوقة تكشف بوضوح عن عقلية استعلائية تتعامل مع التنظيم السياسي كمطية انتخابية لا غير. وفي سابقة غريبة عن الأدبيات الحزبية، يعمد الأنصاري اليوم إلى التجاهل التام والتحاشي المتعمد للأمين الإقليمي والبرلماني السابق عن نفس الدائرة، زكرياء بنوناس، مسجلا خطأ جسيما يمس بالحد الأدنى من أدبيات الاحترام والوفاء التنظيمي.

ولم يتوقف الأمر عند حدود الجفاء الشخصي والتجاهل الميداني، بل تتسرب معطيات مؤكدة تكشف سعي وكيل اللائحة الجديد إلى إزاحة بنوناس من موقع وصيف اللائحة، وهو الموقع الذي يفرضه المنطق والتراكم النضالي والأمانة الإقليمية، لصالح أسماء أخرى يراها الأنصاري أقرب إلى مقاسه ورغباته الفردية، في محاولة مكشوفة لطمس الهوية التنظيمية للحزب محليا ومسح رصيد الكفاءات التي مثلت الساكنة سابقا وشكلت الامتداد الحقيقي للحزب بالمنطقة. هذا السلوك لا يشكل فقط إساءة لشخص البرلماني السابق، بل يوجه ضربة قاضية لمبدأ الاستمرارية والتراكم في العمل السياسي، ويبعث برسالة إحباط لمناضلي الحزب وقواعده التي تجد نفسها اليوم ملزمة بالتصفيق لمرشح طارئ يتجاوز أسرته الحزبية وقادتها الميدانيين قبل أن يطأ قدمه قبة البرلمان.

أمام هذا المشهد المتغطرس، يطرح الشارع المكناسي تساؤلا جوهريا ومخيفا في آن واحد وهو، إذا كان هذا المرشح الذي هبط فجأة على المدينة يتنكر لهياكل الحزب الذي آواه، ويتجاهل رموزه وقياداته الإقليمية بغرور وهو في أحوج لحظاته إلى كسب ثقتهم ودعمهم، فكيف سيكون سلوكه مع المواطن المكناسي البسيط غداة إعلان النتائج والظفر بالمقعد؟ وحسب المبدأ السياسي الراسخ، واستنادا إلى المثل الشعبي القائل “علامة الدار على باب الدار” يتأكد بما لا يدع مجالاً للشك أن من لا يمتلك أخلاق الوفاء والاحترام لأسرته الحزبية القريبة، لن يمتلك ذرة من الالتزام أو الغيرة للدفاع عن قضايا مكناس الكبرى وانشغالاتها التنموية. فالرجل الذي يتجاوز المؤسسات والتراتبية اليوم، سيتجاوز هموم المواطنين المقهورين غدا، وسيعتبر العاصمة الإسماعيلية مجرد محطة عبور أو دائرة نفوذ عائلي تضاف إلى رصيده الشخصي، دون أن يتردد في غلق أبواب التواصل وبناء أسوار من العزلة بينه وبين الشارع.

إن ما يجري اليوم داخل كواليس لائحة الأصالة والمعاصرة بمكناس ليس مجرد تفصيل تنظيمي أو شأن حزبي داخلي، بل هو جرس إنذار مبكر وشديد الخطورة للناخب المكناسي. فالمدينة التي دخلت بالفعل مسار التنمية وتحتاج اليوم لمن يعزز هذه الدينامية ويدفع بعجلة المشاريع والمبادرات الاقتصادية نحو الأمام، تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى برلمانيين من طين الفاعلين الملتحمين بالقواعد، ممن يمتلكون التواضع السياسي، ويرتكزون على النضال الميداني والتراكم المؤسساتي للترافع عن مشاكل الساكنة بشراسة تحت قبة البرلمان. أما المراهنة على مرشحي المظلات والصدفة الذين تحركهم الصراعات العائلية وتنعشهم ثقافة الإلغاء والتهميش، فلن تنتج سوى مزيد من الهدر السياسي والخذلان لمدينة بحجم مكناس. وعلى الشارع المكناسي اليوم أن يستوعب الدرس جيدا ويفعل معيار المحاسبة والوعي المبكر، على اعتبار أن من يتجاهل التقاليد ويزيح رفاقه في أول منعرج انتخابي، ينبغي أن يتم نسيانه ويستبعد من حسابات المستقبل، لأن فاقد الشيء وأخلاقيات التقدير لا يمكن أن يقدم للمدينة ورعاياها سوى السراب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *